السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ذكر بعض كلام أهل العلم في ذلك.
وبيَّن رحمه الله مأخذ شبهة المخالفين الذين يتصورن وجود الإيمان الشرعي مع حصول السب قصدا وعمدا. فقال رحمه الله: منشأ هذه الشبهة التي أوجبت هذا الوهم من المتكلمين ومن حذا حذوهم من الفقهاء أنهم رأوا أن الإيمان هو تصديق الرسول فيما أخبر به، ورأوا أن اعتقاد صدقه لا ينافي السب والشتم بالذات، كما أن اعتقاد إيجاب طاعته لا ينافي معصيته، فإن الإنسان قد يهين من يعتقد وجوب إكرامه كما يترك ما يعتقد وجوب فعله ويفعل ما يعتقد وجوب تركه، ثم رأوا أن الأمة قد كفرت الساب فقالوا: إنما كفر لأن سبه دليل على أنه لم يعتقد أنه حرام، واعتقاد حله تكذيب للرسول فكفر بهذا التكذيب لا بتلك الإهانة، وإنما الإهانة دليل على التكذيب، فإذا فرض أنه في نفس الأمر ليس بمكذب كان في نفس الأمر مؤمنا، وإن كان حكم الظاهر إنما يجري عليه بما أظهره. فهذا مأخذ المرجئة ومعتضديهم وهم الذين يقولون: الإيمان هو الاعتقاد والقول وغلاتهم وهم الكرامية الذين يقولون: مجرد القول وإن عري عن الاعتقاد. وأما الجهمية الذين يقولون: هو مجرد المعرفة والتصديق بالقلب فقط وإن لم يتكلم بلسانه فلهم مأخذ آخر، وهو أنه قد يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فإذا كان في قلبه التعظيم والتوقير للرسول لم يقدح إظهار خلاف ذلك بلسانه في الباطن كما لا ينفع المنافق إظهار خلاف ما في قلبه في الباطن. اهـ.
ثم رد هاتين الشبهتين من ثلاثة أوجه، فلابد للرجوع في هذا الموضع من الكتاب للوقف على تفصيل الكلام لأهميته وطوله. وإنما أردنا من هذا النقل التنبيه على أن كفر الساب لله تعالى قصره الجهمية والمرجئة على من استحل ذلك أو قصد الإهانة بقلبه حال السب، وأما أهل السنة فعندهم أن السب كفر في نفسه، ما دام فاعله مختارا عامدا وإن لم يستحل أو يقصد الإهانة.
وقد وقع في هذا المزلق الخطر من تأثر بمتكلمي الجهمية والمرجئة من فقهاء أهل السنة قديما وحديثا، وقد نبه شيخ الإسلام على ذلك في مواضع من كتبه، ومن ذلك ما نقله في الصارم المسلول عن كتاب المعتمد للقاضي أبي يعلى حيث قال: من سب الله أو سب رسوله فإنه يكفر سواء استحل سبه أو لم يستحله. فإن قال: لم أستحل ذلك. لم يقبل منه في ظاهر الحكم رواية واحدة وكان مرتدا، لأن الظاهر خلاف ما أخبر، لأنه لا غرض له في سب الله وسب رسوله إلا لأنه غير معتقد لعبادته غير مصدق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ويفارق الشارب والقاتل والسارق إذا قال: أنا غير مستحل لذلك. أنه يصدق في الحكم، لأن له غرضا في فعل هذه الأشياء مع اعتقاد تحريمها وهو ما يتعجل من اللذة. قال: وإذا حكمنا بكفره فإنما نحكم به في ظاهر الحكم، فأما في الباطن فإن كان صادقا فيما قال فهو مسلم.. وذكر القاضي عن الفقهاء أن ساب النبي صلى الله عليه وسلم إن كان مستحلا كفر وإن لم يكن مستحلا فسق ولم يكفر كساب الصحابة.. اهـ.
ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية تعقيبا على ذلك: وهذا موضع لا بد من تحريره ويجب أن يعلم أن القول بأن كفر الساب في نفس الأمر إنما هو لاستحلاله السب زلة منكرة وهفوة عظيمة، ويرحم الله القاضي أبا يعلي قد ذكر في غير موضع ما يناقض ما قاله هنا، وإنما وقع من وقع في هذه المهواة ما تلقوه من كلام طائفة من متأخري المتكلمين وهم الجهمية الإناث الذين ذهبوا مذهب الجهمية الأولى في أن الإيمان هو مجرد التصديق الذي في القلب وإن لم يقترن به قول اللسان ولم يقتض عملا في القلب ولا في الجوارح. اهـ.
وممن بيَّن أن هذا هو مذهب الجهمية والأشعرية ابن حزم فقال في المحلى عن ساب النبي صلى الله عليه وسلم: ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وسائر أصحاب الحديث وأصحابهم إلى أنه بذلك كافر مرتد.. وأما سب الله تعالى فما على ظهر الأرض مسلم يخالف في أنه كفر مجرد، إلا أن الجهمية والأشعرية وهما طائفتان لا يعتد بهما يصرحون بأن سب الله تعالى وإعلان الكفر ليس كفرا، قال بعضهم: ولكنه دليل على أنه يعتقد الكفر لا أنه كافر بيقين بسبه الله تعالى. وأصلهم في هذا أصل سوء خارج عن إجماع أهل الإسلام وهو أنهم يقولون: الإيمان هو التصديق بالقلب فقط وان أعلن بالكفر.اهـ.
ونقل في الفصل قولهم هذا ثم قال: هذه منهم دعاوى كاذبة مفتراة لا دليل لهم عليها ولا برهان، لا من نص ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا من حجة عقل أصلا، ولا من إجماع ولا من قياس، ولا من قول أحد من السلف قبل اللعين جهم بن صفوان، وما كان هكذا فهو باطل وإفك وزور، فسقط قولهم هذا من قرب ولله الحمد رب العالمين. فكيف والبرهان قائم بإبطال هذه الدعوى من القرآن والسنن والإجماع والمعقول والحس والمشاهدة الضرورية. اهـ.
والمقصود أن قصر الكفر بالسب على المستحل أو القاصد للإهانة إنما هو من لوث الجهمية والمرجئة، فمجرد قصد الكلام اختيارا حاكم بكفر الساب عند أهل السنة.
ولابد من إدراك مذهب المرجئة في ذلك حذرا من الوقوع فيه، وإلا فكثير من المتأخرين قد وقع في ذلك، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كثير من المتأخرين لا يميزون بين مذاهب السلف وأقوال المرجئة والجهمية، لاختلاط هذا بهذا في كلام كثير منهم، ممن هو في باطنه يرى رأي الجهمية والمرجئة في الإيمان، وهو معظم للسلف وأهل الحديث فيظن أنه يجمع بينهما، أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف. اهـ.
وقد بيَّن رحمه الله مجمل أغلاط هؤلاء وأصول المآخذ التي عليهم فقال: قول القائل: الطاعات ثمرات التصديق الباطن، يراد به شيئان: يراد به أنها لوازم له، فمتى وجد الإيمان الباطن وجدت، وهذا مذهب السلف وأهل السنة. ويراد به أن الإيمان الباطن قد يكون سببًا، وقد يكون الإيمان الباطن تامًا كاملاً وهي لم توجد، وهذا قول المرجئة من الجهمية وغيرهم، وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم غلطوا في ثلاثة أوجه:
أحدها: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تامًا بدون العمل الذي في القلب تصديق بلا عمل للقلب، كمحبة الله وخشيته وخوفه، والتوكل عليه والشوق إلى لقائه.
والثاني: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تامًا بدون العمل الظاهر، وهذا يقول به جميع المرجئة.
والثالث: قولهم: كل من كفره الشارع فإنما كفره لانتفاء تصديق القلب بالرب تبارك وتعالى. اهـ.
وضبط هذا الموضع يحل إشكالات كثيرة، وكذلك قول شيخ الإسلام: وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر كفر بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كافرا، إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله. اهـ.
بارك الله فيك أخي الكريم
نعوذ بالله من الضلال ارجاءا أو تجهما والعياذ بالله